محمد بن جرير الطبري
510
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ } قال أبو جعفر : يعني بقوله : " وأن تستقسموا بالأزلام " ، وأن تطلبوا علم ما قُسِم لكم أو لم يقسم ، بالأزلام . * * * وهو " استفعلت " من " القَسْم " قَسْم الرزق والحاجات . وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا أو نحو ذلك ، أَجال القداح = وهي " الأزلام " وكانت قِداحًا مكتوبًا على بعضها : " نهاني ربّي " ، وعلى بعضها : " أمرني ربّي " = فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه : " أمرني ربي " ، مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك . وإن خرج الذي عليه مكتوب : " نهاني ربي " ، كفّ عن المضي لذلك وأمسك ، فقيل : " وأن تستقسموا بالأزلام " ، لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يَقْسِمن لهم ، ومنه قول الشاعر مفتخرًا بترك الاستقسام بها : ( 1 ) وَلَمْ أَقْسِمْ فَتَرْبُثَنِي القُسُومُ ( 2 ) * * * وأما " الأزلام " ، فإن واحدها " زَلَم " ، ويقال : " زُلَم " ، وهي القداح التي وصفنا أمرها . ( 3 ) * * *
--> ( 1 ) أعياني أن أعرف قائله ، وهو شبيه بكلام أمية بن أبي الصلت ، وليس في ديوانه . ( 2 ) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 152 ، وقوله " لم أقسم " ، من " قسمت أمري أقسمه قسما " ، أي : قدرته ونظرت ، وميلت فيه أن أفعله أو لا أفعله . وقالوا : " تركت فلانًا يقتسم ، وتركته يستقسم " : أي يفكر ويروي بين أمرين . وكذلك فعل من يستقسم بالأزلام ، فاستعمل " أقسم " بمعنى " الاستقسام بالأزلام " في هذا البيت . و " القسوم " جمع " قسم " ( بكسر القاف وسكون السين ) : الحظ ، وجمعه " أقسام " ، ولكنه جمع على " قسوم " ، كجمع " حلم " على " حلوم " و " أحلام " . ( 3 ) " زلم " ( بفتحتين ) و " زلم " ( بضم الزاي وفتح اللام ) .